القرطبي

140

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

هذا تستعمله العرب على معنى التوقيف والتقبيح ، فيقولون : الخير أحب إليك أم الشر ، أي قد أخبرت الشر فتجنبه ، وقد عرفوا رسولهم وأنه من أهل الصدق والأمانة ، ففي اتباعه النجاة والخير لولا العنت . قال سفيان : بلى ! قد عرفوه ولكنهم حسدوه ! قوله تعالى : أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ( 70 ) قوله تعالى : ( أم يقولون به جنة ) أي أم يحتجون في ترك الايمان به بأنه مجنون ، فليس هو هكذا ! لزوال أمارات الجنون عنه . ( بل جاءهم بالحق ) يعنى القرآن والتوحيد الحق والدين الحق . ( وأكثرهم ) أي كلهم ( للحق كارهون ) حسدا وبغيا وتقليدا . قوله تعالى : ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكر هم فهم عن ذكر هم معرضون ( 71 ) قوله تعالى : ( ولو اتبع الحق ) " الحق " هنا هو الله سبحانه وتعالى ، قاله الأكثرون ، منهم مجاهد وابن جريج وأبو صالح وغيرهم . وتقديره في العربية : ولو اتبع صاحب الحق ، قاله النحاس . وقد قيل : هو مجاز ، أي لو وافق الحق أهواءهم ، فجعل موافقته اتباعا مجازا ، أي لو كانوا يكفرون بالرسل ويعصون الله عز وجل ثم لا يعاقبون ولا يجازون على ذلك إما عجزا وإما جهلا لفسدت السماوات والأرض . وقيل : المعنى ولو كان الحق ما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله تعالى لتنافت الالهة ، وأراد بعضهم ما لا يريده بعض ، فاضطرب التدبير وفسدت السماوات والأرض ، وإذا فسدتا فسد من فيهما . وقيل : " لو اتبع الحق أهواءهم " أي بما يهواه الناس ويشتهونه لبطل نظام العالم ، لان شهوات الناس تختلف وتتضاد ، وسبيل الحق أن يكون متبوعا ، وسبيل الناس الانقياد للحق . وقيل : " الحق " القرآن ، أي لو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض . ( ومن فيهن ) إشارة إلى من يعقل من ملائكة السماوات وإنس الأرض وجنها ، الماوردي . وقال الكلبي : يعنى وما بينهما من